الأمر الثالث: شمول التخییر أو الترجیح لموارد الجمع العرفی وعدمه

SiteTitle

صفحه کاربران ویژه - خروج
ورود کاربران ورود کاربران

LoginToSite

SecurityWord:

Username:

Password:

LoginComment LoginComment2 LoginComment3 .
SortBy
 
أنوار الاُصول(الجزء الثّالث)
الأمر الثانی: میزان التعدى من المرجّحات المنصوصة وعدمهالأمر الأوّل: فی أنّ الشهرة على أقسام: الروائیّة والفتوائیّة والعملیّة

وبعبارة اُخرى: هل یجوز إعمال المرجّحات فی موارد العام والخاصّ، والمطلق والمقیّد أیضاً، أو لا؟ المشهور والمعروف أنّه یختصّ بغیر موارد الجمع العرفی، بل قال الشیخ الأعظم(رحمه الله): «وما ذکرناه کأنّه ممّا لا خلاف فیه کما استظهره بعض مشایخنا المعاصرین، ویشهد له ما یظهر من مذاهبهم فی الاُصول وطریقتهم فی الفروع».

ولکن من العجب أنّه نسب إلى الشیخ الطوسی(رحمه الله) فی بعض کلماته فی الاستبصار والعدّة، وإلى المحقّق القمّی فی مباحث العام والخاصّ من القوانین أنّ أعمال المرجّحات یقدّم على الجمع العرفی.

والصحیح ما ذهب إلیه المشهور (بل یلزم من العمل بما نسب إلى شیخ الطائفة(رحمه الله) فقه جدید کما سیأتی) وعمدة الدلیل علیه أمران:

الأوّل: أنّه لا تعدّ موارد الجمع العرفی من قبیل المتعارضین، فلا یصدق عنوان التعارض والاختلاف علیها عند العرف، فلا یجری علیها أحکام التعارض.

الثانی: أنّ إعمال المرجّحات فی موارد العام والخاصّ والمطلق والمقیّد یلزم منه ما لا یلتزم به فقیه، لمخالفته لضرورة الفقه، فإنّ من الضروری تخصیص العمومات الکثیرة وتقیید الإطلاقات العدیدة فی الکتاب والسنّة بالأخبار الخاصّة، مثلا قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)
تخصّص بجمیع أدلّة شرائط صحّة البیع والخیارات وشرائط المتبایعین والعوضین، وهکذا قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِی الاَْرْضِ فَلَیْسَ عَلَیْکُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ) فإنّه خصّص بأدلّه شرائط التقصیر فی السفر وهى کثیرة، وقوله تعالى: (وَأَخَوَاتُکُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ). بأدلّة خاصّة لشرائط نشر الحرمة بالرضاع، إلى غیر ذلک من أشباهها، فلو جوّزنا اعمال المرجّحات بالنسبة إلى العام والخاصّ والمطلق والمقیّد وفرضنا کون العام فی مثل هذه الموارد ذا المزیّة کان اللازم رفض جمیع هذه المخصّصات، ولا ریب فی استلزامه لفقه جدید غیر ما نعرفه.

والإنصاف أنّه لم یقل به شیخ الطائفة أیضاً، حیث إنّ قوله فی أوّل الاستبصار: «وإن کانا متساویین فی العدالة والعدد وهما عاریان من جمیع القرائن التی ذکرناها نُظر فإن کان متى عمل بأحد الخبرین أمکن العمل بالآخر على بعض الوجوه وضرب من التأویل کان العمل به أولى من العمل بالآخر الذی یحتاج العمل به إلى طرح الخبر الآخر لأنّه یکون العامل به عاملا بالخبرین معاً»(1) (ونظیر هذا عبارته فی عدّة الاُصول)(2) الظاهر فی لزوم الجمع بین الخبرین متى أمکن، وإن وقع فی عبارته بعد ذکر المرجّحات من حیث الترتیب، ولکنّه لا یدلّ على المقصود، لأنّ مراده من الجمع فی هذه العبارة إنّما هو الجمع التبرّعی الذی لا شاهد له من العرف، فهو فی الواقع قدّم الجمع التبرّعی على التخییر بناءً على ما اختاره من المبنى، فکأنّه یقول: بعد إعمال المرجّحات تصل النوبة إلى الجمع التبرّعی ثمّ إلى التخییر خلافاً لمذهب المشهور حیث لا قیمة لمثل هذا الجمع عندهم فتصل النوبة إلى التخییر بعد عدم المرجّحات.

ویشهد على هذا کلامه فی مبحث العام والخاصّ فی عدّة الاُصول: «قد یستشکل (فی التخصیص) بأنّ الأخبار قد وردت فی تقدیم ما هو مخالف العامّة وموافق الکتاب، وهذا یقتضی تقدیم العام لو کان هو الموافق للکتاب أو المخالف للعامّة.

وفیه: أنّ البحث منعقد لملاحظة العام والخاصّ من حیث العموم والخصوص لا بالنظر إلى المرجّحات الخارجیّة إذ قد یصیر التجوّز فی الخاصّ أولى من التخصیص فی العام من جهة مرجّح خارجی»(3).

فإنّ ذیل کلامه هذا شاهد على أنّ نظره فی تقدیم العام على الخاصّ مختصّ بموارد وجود قرینة خارجیّة على تجوّز الخاصّ کما إذا قامت قرینة خارجیّة على حمل الخاصّ على الاستحباب، ولا إشکال فی وجوب تقدیم العام وعدم جواز تخصیصه بالخاصّ حینئذ.

الفصل الثالث: فی انقلاب النسبة

کلّ ما مرّ من أبحاث التعارض کانت فیما إذا کان التعارض بین دلیلین، وأمّا إذا کان بین الزائد علیهما فهو على قسمین:

تارةً لا یوجب تقدیم إحدى الخصوصیات إنقلاب النسبة بین العام والخاصّ الآخر، کما إذا قال: «أکرم العلماء» ثمّ قال: «لا تکرم النحویین» وقال أیضاً: «لا تکرم الصرفیین».

واُخرى یوجب تقدیم إحدیها انقلاب النسبة، کما إذا قال: «لا تکرم الفسّاق منهم» وقال أیضاً: «لا تکرم النحویین» حیث إنّ تقدیم التخصیص بالأوّل یوجب انقلاب النسبة بین «أکرم العلماء» و «لا تکرم النحویین» من العموم المطلق إلى العموم من وجه، فإنّ النسبة بین العلماء العدول والنحویین هى العموم من وجه کما لا یخفى.

والبحث هیهنا فی انقلاب النسبة السابقة على التخصیص بإحدى الخصوصیّات إلى النسبة اللاحقة به وعدمه، والمحکی عن المحقّق النراقی أنّه ذهب إلى الانقلاب وقال بلزوم ملاحظة النسبة اللاحقة.

والصحیح أنّ النزاع إنّما یتصوّر فیما إذا کان الخاصّان منفصلین، وأمّا إذا کان أحدهما متّصلا فلا إشکال فی انقلاب النسبة، أی لزوم ملاحظة النسبة بین العام المخصّص بالمتّصل والخاصّ الآخر المنفصل، والظاهر أنّ نظر المحقّق النراقی(رحمه الله)أیضاً إلى هذا القسم، إذ إنّ مفروض کلامه (على ما حکی عنه فی کلمات الشیخ الأعظم(رحمه الله)) هو ما إذا کان أحد الخاصّین لبّیاً کالإجماع ونحوه الذی هو بمنزلة المخصّص المتّصل.

وکیف کان، فهل تنقلب النسبة فیکون اللازم ملاحظة تاریخ الخاصّین وتخصیص العام أوّلا بما هو الأقرب زماناً ثمّ بالأبعد، أو لا ینقلب فلا حاجة إلى ملاحظة تاریخهما؟ ولابدّ فی الجواب من الإشارة إلى أمرین:

أحدهما: هل التخصیص یتعلّق بالإرادة الجدّیة، أو الإرادة الاستعمالیّة؟ وتوضیحه: أنّ للفظ إرادتین: إرادة استعمالیّة وهى ما یستعمل فیه اللفظ، وإرادة جدّیة وهى ما یکون المقصود من الاستعمال، والسؤال هنا هو أنّ متعلّق التخصیص هل هو الإرادة الجدّیة، أو الإرادة الاستعمالیّة؟

المعروف والمشهور أنّه یتعلّق بالإرادة الجدّیة، ولذلک لا یلزم منه مجاز، لأنّ باب المجاز والحقیقة باب اللفظ وما استعمل فیه اللفظ لا المعنى والمراد، وقد مرّ البحث عنه تفصیلا فی مباحث العام والخاصّ تحت عنوان «التخصیص بالمنفصل إنّما هو فی الإرادة الجدّیة لا الإرادة الاستعمالیّة» وهو المختار هناک.

ثانیهما: هل المعیار فی تعارض الدلیلین هو الإرادة الاستعمالیّة أو الإرادة الجدّیة؟

لا إشکال فی أنّ المیزان فی التعارض إنّما هو الإرادة الاستعمالیّة، لأنّ الدلیلین یتعارضان ویتضادّان فی ظهورهما الاستعمالی واللفظی کما هو واضح.

ثمّ بعد ملاحظة هاتین النکتتین یظهر لنا أنّه لا وجه لانقلاب النسبة، لأنّ تخصیص العام بالخاصّ الأوّل إنّما هو فی الإرادة الجدّیة ولا ربط له بالإرادة الاستعمالیّة، وحینئذ یبقى الظهور الاستعمالی للعام على حاله الذی کان هو المعیار فی التعارض، ولابدّ بعد التخصیص بالخاصّ الأوّل من ملاحظة النسبة بین الخاصّ الثانی وهذا الظهور الاستعمالی للعام الباقی على قوّته.

والذی یؤیّد ذلک هو سیرة الفقهاء العملیّة فی الفقه، فإنّهم لا یلاحظون تاریخ الخصوصیّات ولا یقدّمون التخصیص بأحد الخاصّین على التخصیص بالخاصّ الآخر بل یخصّصون العام بکلیهما فی عرض واحد.

نعم، قد یستثنى منه ما إذا کانت المخصّصات بمقدار من الکثرة یوجب الاستهجان عرفاً، فیکون النسبة بین الخصوصات والعام من قبیل المتباینین، فربّما یکون طریق الجمع فیه إسقاط العام عن ظهوره فی الوجوب أو الحرمة وحمله على الاستحباب أو الکراهة.

ثمّ إنّ جماعة من الأعلام أشاروا إلى أمرین آخرین:

أحدهما: هو البحث عن مسألة الضمان فی عاریة الذهب والفضّة التی هى من موارد تعارض أکثر من دلیلین ومن مصادیقه وتطبیقاته، ولکننا نترکه إلى محلّه فی الفقه لأنّه بحث فقهی خاصّ لا یلیق إلاّ بالفقه کما لا یخفى على الخبیر.

وثانیهما: ما ذکره بعض الأعلام مفصّلا من الأنواع المختلفة لتعارض أکثر من الدلیلین والصور العدیدة لکلّ نوع منها، ولکنّه أیضاً لا طائل تحته بعد قبول عدم انقلاب النسبة مطلقاً کما هو الحقّ.

الفصل الرابع: فی ترتیب المرجّحاتهل

 تعتبر مراعاة الترتیب بین المرجّحات أو لا؟ وعلى فرض لزومها أیّتها تتقدّم وأیّتها تتأخّر؟ فیه ثلاثة أقوال:

1 ـ ما ذهب إلیه صاحب الکفایة، وهو عدم اعتبارها بناءً على القول بالتعدّی من المزایا المنصوصة وإناطة الترجیح بالظنّ أو بالأقربیة إلى الواقع، فإن حصل أحدهما فی جانب فهو المتقدّم، وإن حصل فی کلیهما فیتخیّر.

نعم، لو قیل بالاقتصار على المزایا المنصوصة فلها وجه.

2 ـ ما ذهب إلیه شیخنا الأعظم والمحقّق النائینی(رحمه الله) من لزوم مراعاة الترتیب. فإنّ المرجّحات على ثلاثة أقسام: المرجّحات السندیة وهى ما ترجع إلى أصل الصدور کالشهرة وأعدلیّة الراوی أو أوثقیته، والمرجّحات الجهتیة وهى ما ترجع إلى جهة الصدور، أی التقیّة وعدمها، کمخالفة العامّة، والمرجّحات المضمونیّة، وهى ما ترجع إلى المضمون کموافقة الکتاب، فقال شیخنا الأعظم(رحمه الله)بتقدیم الأوّل على الثانی والثالث، وقال المحقّق النائینی(رحمه الله)بتقدیم الأوّل على الثانی، والثانی على الثالث(4).

3 ـ ما ذهب إلیه المحقّق الوحید البهبهانی(رحمه الله)، وهو لزوم تقدیم المرجّح الجهتی على الصدوری، فلو کان أحد المتعارضین مخالفاً للعامّة وکان الآخر موافقاً للشهرة قدّم ما یخالف العامّة.

أقول: لابدّ من البحث أوّلا على ما یقتضیه القواعد الأوّلیة، ثمّ على ما یستظهر من الروایات الخاصّة الواردة فی باب المرجّحات، وکلمات القوم هنا مضطربة.

أمّا ما تقتضیه القواعد فحاصل کلام الشیخ الأعظم(رحمه الله) أنّ جهة الصدور متفرّعة على أصل الصدور، فإذا کان الخبران المتعارضان مقطوعی الصدور کما فی المتواترین أو بحکم مقطوعی الصدور فتصل النوبة إلى المرجّح الجهتی، وأمّا إذا کانا متفاضلین من حیث الصدور فیجب التعبّد حینئذ بالراجح صدوراً، ولا تکاد تصل النوبة إلى المرجوع صدوراً کی یلاحظ رجحانه جهة.

وأورد علیه: بأنّه یستلزم اللغویة، لأنّ لازمه لزوم التعبّد بصدور الخبر المشهور الموافق للعامّة، ولا معنى للتعبّد بصدور الخبر مع وجوب حمله على التقیّة، إذ الحمل على التقیّة یساوق الطرح، ولا یعقل أن تکون نتیجة التعبّد بالصدور هى الطرح، فالحقّ أنّه لا ترتیب بین المرجّحات وأنّ الترجیح بجمیعها یرجع إلى الصدور.

ولکن یمکن الجواب عنه: بأنّ معنى حجّیة الخبر لیس التعبّد والعمل به، بل معناه هو التعبّد به لولا المزاحم، وبعبارة اُخرى: المراد من حجّیة کلا الخبرین هو الحجّیة الإقتضائیة لا الحجّیة الفعلیّة، وهذا المعنى حاصل فی المقام.

أقول: الحقّ هو ما اختاره المحقّق الخراسانی(رحمه الله) من عدم الترتیب، وأنّ برهان الفرعیّة فی کلام الشیخ الأعظم(رحمه الله) لیس بتامّ لأنّ المرجّحات الجهتیّة أو المضمونیّة وإن کانت متأخّرة عن المرجّحات الصدوریة بحسب الوجود الخارجی (لأنّ جهة الصدور أو المضمون فرع لأصل الصدور وعارض علیه، ووجود المعروض سابق على وجود العارض) إلاّ أنّه لا دخل له فی ما هو المهم فی المقام، فإنّ محلّ البحث فی ما نحن فیه هو الحجّیة بمعنى ترتیب الأثر العملی، ولا ریب فی أنّ کلا من الجهات الثلاثة شرط فی الحجّیة والعمل، ومن أجزاء العلّة التامّة له فی عرض واحد، ولا تقدّم لأحدها على غیره من هذه الجهة، أی من ناحیة العمل کما لا یخفى. هذا أوّلا.

وثانیاً: سلّمنا اعتبار الترتیب ولکنّه على مرحلتین لا ثلاث مراحل کما أشار إلیه المحقّق النائینی(رحمه الله) وقد مرّ آنفاً، فإنّ المرجّح المضمونی یرجع إلى المرجّح الصدوری لأنّ الوفاق مع الکتاب دلیل على الصدور، والمخالفة معه دلیل على عدم الصدور ولو ظنّاً.

وأمّا القول الثالث: (وهو ما ذهب إلیه المحقّق الوحید البهبهانی(رحمه الله)) فاستدلّ له المحقّق الرشتی(رحمه الله) بأنّ التعبّد بالدلیل الموافق للعامّة مستحیل، لدوران أمره بین عدم صدوره من أصله وبین صدوره تقیّة، وهو على کلا التقدیرین ممّا لا یعقل التعبّد به، وحینئذ کیف یقدّم الأرجح صدوراً إذا کان موافقاً للعامّة على غیره وإن کان مخالفاً للعامّة کما قال به الشیخ الأعظم(رحمه الله)؟ ثمّ قال: فاحتمال تقدیم المرجّحات السندیة على مخالفة العامّة مع نصّ الإمام(علیه السلام)على طرح موافقهم من العجائب والغرائب التی لم یعهد صدورها من ذی مسکة فضلا عمّن هو تالی العصمة علماً وعملا، ثمّ قال: ولیت شعری أنّ هذه الغفلة الواضحة کیف صدرت منه مع أنّه فی جودة النظر یأتی بما یقرب من شقّ القمر.

ویمکن الجواب عنه أوّلا: بأنّ الخبر الموافق للعامّة لیس دائراً بین احتمالین بل الاحتمالات فیه ثلاثة: عدم صدوره من أصله، وصدوره تقیّة، وصدوره لبیان حکم الله الواقعی، وإنّما یدور أمره بین الاحتمالین الأوّلین إذا کان المعارض المخالف للعامّة قطعیّاً من جهاته الثلاث، أی من جهة السند والدلالة والجهة جمیعاً، وأمّا إذا کان ظنّیاً ولو من بعض الجهات کما هو المفروض (حیث إنّ البحث فی المرجّحات الظنّیة لا فی تمییز الحجّة عن اللاّحجّة) فلا علم لنا بصدق المخالف بل نحتمل کذبه أیضاً، کما لا علم لنا ببطلان الموافق وعدم حجّیته على أی حال.

وکأنّ المحقّق الرشتی(رحمه الله) غفل عن هذه النکتة، أی أنّ البحث هو فی المرجّحات الظنّیة.

وثانیاً: أنّ ما ادّعاه صادق فی العکس أیضاً، لأنّ الإمام(علیه السلام) قال فی المرجّحات الصدوریة: «فإنّ المجمع علیه لا ریب فیه» ولازمه حصول العلم بعدم صدور غیر المشهور.

ولقد أجاد المحقّق الخراسانی(رحمه الله) حیث قال فی ذیل کلامه هنا: أنّ الغفلة والنسیان کالطبیعة الثانویّة للإنسان.

فقد ظهر أنّ مقتضى القواعد الأوّلیة عدم اعتبار الترتیب بین المرجّحات فلابدّ من الرجوع إلى أقوى الدلیلین وأظهرهما، وهو مختلف بحسب اختلاف المقامات، ولو لم یکن أحدهما أقوى أو أظهر سقطت المرجّحات فتصل النوبة إلى التخییر.

هذا کلّه بحسب القواعد.

وأمّا بحسب الأدلّة الخاصّة النقلیة فالمهمّ فیها هو مقبولة عمر بن حنظلة المذکور فیها ثلاث مرجّحات: الشهرة، موافقة الکتاب والسنّة، ومخالفة العامّة (وأمّا مخالفة میل الحکّام فقد مرّ أنّه یرجع إلى مخالفة العامّة، کما أنّ الترجیح بالأعدلیّة والأفقهیّة والأوثقیّة الواردة فی صدرها من مرجّحات باب الحکومة والقضاء لا الروایة کما مرّ أیضاً) والإنصاف أنّ ظاهر هذا الحدیث هو لزوم الترتیب بین المرجّحات الثلاثة.

ومن الروایات مرفوعة زرارة، ولکن الترتیب الوارد فیها مخالف للترتیب الوارد فی المقبولة، فإنّ المرجّح الثانی فیها هو صفات الراوی، والثالث هو مخالفة العامّة، والرابع هو الأحوطیّة، وحینئذ یقع التعارض بینهما، مع أنّ المطلوب منها علاج التعارض.

ولکن الذی یسهل الخطب أنّ المرفوعة لا سند لها کما مرّ بیانه.

ومن الروایات ما مرّ من مصحّحة عبدالرحمن بن عبدالله(5)، ولا إشکال أیضاً فی صراحته فی لزوم الترتیب مع خصوصیّة ومزیّة له بالنسبة إلى المقبولة، حیث إنّ الترتیب فیه جاء فی کلام الإمام (علیه السلام) نفسه، بینما الترتیب فی المقبولة جاء فی کلام السائل، إلاّ أنّ سکوت الإمام ظاهر فی التقریر والامضاء.

وقد یدّعى وجود قرینة على خلاف هذا الظهور، وهى أنّ فی کثیر من الروایات لم یذکر إلاّ مرجّح واحد، ولزوم الترتیب واعتباره یستلزم تقیید اطلاق جمیع هذه الروایات بالمقبولة بالنسبة إلى سائر المرجّحات، وهو مشکل جدّاً.

وبعبارة اُخرى: قد مرّ أنّ روایات الترجیح على طوائف عدیدة، والمرجّحات فی بعضها أربعة وفی بعضها الآخر ثلاثة، وفی طائفة ثالثة إثنان، وفی طائفة رابعة واحد، والمرجّح الواحد فی الطائفة الرابعة أیضاً کان هو مخالفة العامّة فی بعض روایاتها وموافقة الکتاب فی بعضها الآخر، فقد یقال: إنّ هذا الاختلاف قرینة على التصرّف فی ظهور المقبولة فی الترتیب، وحملها على أنّ الإمام(علیه السلام) فیها کان فی مقام بیان مجرّد أنّ هذا مرجّح وذاک مرجّح.

ولکن یمکن الجواب عنه: بأنّه لابدّ من رفع الید عن الاطلاق المذکور على أیّ حال، سواء قلنا بالترتیب أو لا، فإنّ مقتضى اطلاق الطائفة التی جاء فیها مرجّح واحد مثلا أنّ المعتبر فی مقام الترجیح إنّما هو خصوص ذلک المرجّح فقط، وهذا الظهور لا یعتنى به حتّى القائلین بعدم اعتبار الترتیب.

هذا ـ مضافاً إلى أنّه یمکن أن یقال: إنّ ما تدلّ علیه المقبولة من اعتبار الترتیب على النحو المذکور فیها موافق للاعتبار أیضاً، وأنّ الإمام(علیه السلام) کان فی مقام بیان ما یوافق الاعتبار، والأخذ بالأقوى فالأقوى من المرجّحات، وتطبیق قانون تقدیم الأقوى على الأضعف، إذ إنّ الموافق مع الشهرة أقوى ظهوراً من الخبر غیر المشهور الموافق مع کتاب الله، وهکذا المخالف للعامّة أقوى من الموافق لعموم الکتاب أو إطلاقه.

بقی هنا اُمور:

1 ـ إنّ ما ادّعاه شیخنا الأعظم(رحمه الله) فی رسائله من أنّ المرفوعة منجبرة بعمل الأصحاب حیث قال: «فهى وإن کانت ضعیفة السند إلاّ أنّها موافقة لسیرة العلماء فی الترجیح» مبنى على کون عمل الأصحاب مستنداً إلى خصوص المرفوعة، مع أنّ الظاهر أنّ مستندهم هو المقبولة، لأنّ فیها أیضاً قدّم الترجیح بالشهرة على الترجیح بسائر المرجّحات، والشیخ الأعظم(رحمه الله)حیث توهّم أنّ أوّل المرجّحات فی المقبولة هو صفات الراوی وأنّ ما قدّم فیه الشهرة على سائر المرجّحات إنّما هو المرفوعة، کما أشار إلیه فی ذیل کلامه بقوله «فإنّ طریقتهم مستمرّة على تقدیم المشهور على الشاذّ» ذهب إلى أنّ عمل الأصحاب مستند إلى المرفوعة فیجبر ضعف سندها، مع أنّه قد مرّ أنّ الترجیح بالصفات الواردة فیها من مرجّحات باب الحکومة والقضاء لا الروایة.

2 ـ قد أشرنا سابقاً إلى أنّ المرجّحات المضمونیة ترجع فی الواقع إلى المرجّحات السندیّة (الصدوریّة) لأنّ موافقة کتاب الله تعالى توجب الظنّ بالصدور وأنّ علوّ المضامین یوجب القوّة فی السند، کما لا یخفى، وحینئذ ترجع المرجّحات إلى قسمین: صدوریّة وجهتیّة، لا إلى ثلاثة أقسام.

3 ـ ما أشرنا إلیه أیضاً فی الجواب عن المحقّق الرشتی(رحمه الله) من أنّه لیس کلّ ما کان موافقاً للعامّة صدر فی مقام التقیة، والشاهد على ذلک أنّ الأئمّة(علیهم السلام) کثیراً ما کانوا ینقضون التقیّة، ویبلّغون أحکام الله الواقعیّة، سواء کانت موافقة مع آراء العامّة أو مخالفة لها.

توضیح ذلک: أنّ التقیّة على قسمین:

التقیّة فی العمل وأکثر روایات التقیّة ناظرة إلیها، وقد ذکرناها بالتفصیل فی القواعد الفقهیّة، کقوله(علیه السلام): التقیّة سنّة إبراهیم، أو سنّة آل فرعون، أو سنّة أصحاب الکهف، أو أنّها جنّة المؤمن، أو ترس المؤمن، وهکذا قوله تعالى: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)(6) الوارد فی شأن عمّار بن یاسر وأبویه، فلا إشکال فی أنّ جمیعها ناظراً إلى التقیة فی مقام العمل کما لا یخفى.

وتقیة فی مقام الفتوى، وهى بنفسها على قسمین: أحدهما ما یصدر من الإمام (علیه السلام) حفظاً لنفسه الشریفة، وثانیهما ما یصدر منه حفظاً لدماء الشیعة، والمتتبّع فی تاریخ الأئمّة وسیرتهم یلاحظ أنّ هذین القسمین من التقیّة لم تکن بتلک الدرجة من الکثرة لکی یتوهّم مثل المحقّق الرشتی(رحمه الله) أنّ کلّ خبر یوافق آراء العامّة فإمّا أن لا یکون صادراً عنهم(علیهم السلام) أو صدر تقیة، سیّما بعد ملاحظة الروایات الناقضة للتقیة کأکثر روایات باب الخمس وکثیر من روایات أبواب الحجّ وما أشبهها فراجع.

4 ـ قال المحقّق الخراسانی(رحمه الله) أنّ تقدّم الأرجح صدوراً على المخالف للعامّة (أی تقدّم المرجّح الصدوری على الجهتی) مبنیّ على کون المخالفة للعامّة من المرجّحات الجهتیة، وأمّا بملاحظة کونها من المرجّحات الدلالیة نظراً إلى ما فی الموافق للعامّة من احتمال التوریة الموجب لضعف ظهوره ودلالته فیکون المخالف للعامّة أقوى منه دلالة وظهوراً لعدم احتمال التوریة فیه أصلا، فالمرجّح الجهتی حینئذ مقدّم على جمیع المرجّحات الصدوریة لما عرفت من تقدّم المرجّحات الدلالیة على ما سواها من المرجّحات.

ثمّ أشکل على نفسه وقال: اللهمّ إلاّ أن یقال: إنّ باب احتمال التوریة وإن کان مفتوحاً فیما احتمل فیه التقیّة إلاّ أنّه حیث کان بالتأمّل والنظر لم یوجب أن یکون معارضه أظهر، بحیث یکون قرینة على التصرّف عرفاً فی الآخر من حیث الدلالة.

أقول: إن کان مقصوده ممّا رجع إلیه فی ذیل کلامه أنّ عمل التوریة وأعمالها فی محلّها أمر مشکل فهو صحیح لا غبار علیه، وأمّا إن کان المقصود أنّ تشخیص الأظهر والظاهر بعد فرض انفتاح باب التوریة وتحقّقها فی الخارج فی الروایات الموافقة مشکل فهو ممنوع، فإنّ الإنصاف أنّ ما لا یحتمل فیه التوریة أقوى ظهوراً عند العرف ممّا یحتمل فیه التوراة، فیقدّم علیه إذا کان أحدهما قرینة على التصرّف فی الآخر، هذا أوّلا.

وثانیاً: قد ذکرنا فی محلّه فی المکاسب الحرمة فی باب الکذب: أنّ التوریة لا تجری فی کلّ کلام، بل تجری فیما إذا کان الکلام محتملا لمعنیین ذاتاً، غایة الأمر أنّ ذهن السامع ینصرف إلى أحدهما مع أنّ المتکلّم أراد المعنى الآخر، کما إذا قال صاحب الدار (فی جواب من سئل عنه بقوله «أزید فی الدار»): لیس هو هنا، وأراد منه وراء الباب لا مجموع الدار، ونظیر قول سعید بن جبیر فی الجواب عن سؤال الحجّاج، «أنت عادل قاسط» حیث أراد من «عادل» من عدل عن التوحید مشیراً إلى قوله تعالى: (ثُمَّ الَّذِینَ کَفَرُوا بِرَبِّهِمْ یَعْدِلُونَ)(7) فإنّ له معنیین، ومن «قاسط» معنى الظلم لأنّه من الأضداد، وإن انصرف الذهن منهما إلى معنى العدالة، ونظیر قول بعض العلماء (فی الجواب عن سؤال: خیر الورى بعد النبی من هو؟ فی تلک القصّة المعروفة): من بنته فی بیته، فأراد من الضمیر النبی(صلى الله علیه وآله) فینطبق على أمیر المؤمنین علی (علیه السلام)، ولعلّه کان المنصرف إلى الذهن فی ذلک الزمان رجوع الضمیر الثانی إلى رسول الله(صلى الله علیه وآله) فینطبق على الخلیفة الأوّل.

ویتفرّع على ذلک عدم کون التوراة داخلة فی أنواع الکذب، کما یتفرّع علیه أنّ التوریة لا تجری فی کلّ کلام وفی کلّ مقام، بل لها موارد خاصّة، وحینئذ لا یمکن القول باحتمال التوریة فی جمیع موارد التقیّة.

هذا، وتمام الکلام فی محلّه فی المکاسب المحرّمة.

الفصل الخامس: فی المرجّحات الخارجیّة

جعل الشیخ الأعظم(رحمه الله) مجموع المرجّحات على قسمین: داخلیّة وخارجیّة، فالداخلیة عبارة عن کلّ مزیة غیر مستقلّة بنفسها، وهى على ثلاثة أقسام مرّ ذکرها تفصیلا، والخارجیّة عبارة عن کلّ مزیة مستقلّة بنفسها ولو لم یکن هناک خبر أصلا، وهى على خمسة أقسام:

1 ـ ما لا تکون معتبرة لتعلّق النهی بها، وهى الأمارات الظنّیة غیر المعتبرة المنهی عنها کالقیاس.

2 ـ ما لا تکون معتبرة لعدم وجود دلیل على اعتبارها لا للنهی عنها، وهى الأمارات الظنّیة التی لا دلیل على اعتبارها کالشهرة الفتوائیة والإجماع المنقول ونحوها.

3 ـ ما تکون معتبرة فی نفسها، وهى الأمارات الظنّیة المعتبرة کإطلاق الکتاب أو عمومه.

4 ـ المرجّحات القطعیّة کالإجماع المحصّل ونصوص الکتاب.

5 ـ الاُصول الأربعة العملیّة شرعیّة کانت أو عقلیّة.

أمّا القسم الأوّل: وهو مثل القیاس فلابدّ فیه من البحث أوّلا: فی شمول الأدلّة الناهیّة عن القیاس للقیاس فی مقام الترجیح، وثانیاً: فی التعارض بین هذه الأدلّة على فرض شمولها والأدلّة الآمرة بالأخذ بأقوى الدلیلین، أی التعارض بین اطلاق هذه واطلاق تلک.

أمّا المقام الأوّل: فالصحیح فیه هو الفرق بین الأقسام المختلفة من القیاس، فإنّ له أقساماً ثلاثة: القیاس فی المسائل الاُصولیّة (کما إذا قیست الشهرة الفتوائیة بخبر الواحد فی أنّها موجبة للظنّ أیضاً)، والقیاس فی المسائل الفرعیة کقیاس دیّة أصابع المرأة الوارد فی حدیث أبان، والقیاس فی الموضوعات کقیاس حال الصائم من حیث السلامة والمرض فی الیوم بما مضى علیه فی الأمس.

لا إشکال فی أنّ أدلّة النهی عن القیاس لا تعمّ القسم الثالث، لأنّه لو فرضنا کون الموضوع لحرمة الإمساک مثلا هو الظنّ بالضرر أو الخوف منه فلا فرق فیه بین أن یحصل الظنّ من القیاس أو من أمر آخر، فإنّه لیس من القیاس فی الدین المنهی عنه، بل قیاس فی الموضوعات الخارجیّة.

وأمّا القیاس فی المسائل الفرعیّة فلا إشکال أیضاً فی شمول تلک الأدلّة له، بل هى القدر المتیقّن منها.

وأمّا القیاس فی المسائل الاُصولیّة فقد یقال أیضاً أنّ الأدلّة شاملة له لأنّ ظاهرها حرمة القیاس فی دین الله مطلقاً کما ورد فی الحدیث «أنّ دین الله لا یصاب بالعقول» ولا ریب فی أنّ اُصول الفقه جزء من الدین وداخلة فی الشریعة، کما لا إشکال فی أنّ القیاس فی ما نحن فیه أی فی باب المرجّحات من هذا القسم فلا یجوز وإن أجزنا التعدّی عن المرجّحات المنصوصة إلى غیرها.

قال المحقّق الأصفهانی(رحمه الله) فی المقام ما حاصله: أنّ القیاس فی المرجّحات لا یکون مشمولا لأدلّة النهی عن القیاس لعدم کونه طریقاً شرعیاً وواسطة فی إثبات حکم من الأحکام الشرعیّة فرعیّة کانت أو اصولیّة، لأنّ الحکم الفرعی من الوجوب والحرمة أو الاُصولی کالحجّیة یثبت بنفس الخبر الموافق لا بالظنّ القیاسی، ومن جانب آخر: مرجّحیة الظنّ القیاسی ثبت بأدلّة الترجیح المتکفّلة أمر حجّة کلّ ما یوجب الأقربیّة إلى الواقع، وحینئذ یمکن الترجیح بالظنّ القیاسی من دون أن یکون مشمولا لقوله(علیه السلام): إنّ دین الله لا یصاب بالعقول.

ولکنّه عدل عنه فی ذیل کلامه بقوله: کما أنّ الأدلّة المانعة عن العمل بالقیاس توجب خروج الظنّ القیاسی عن تحت الدلیل الدالّ على حجّیة کلّ ظنّ (لو کان هناک دلیل) کذلک توجب خروجه عن تحت أدلّة الترجیح بکل ما یوجب الأقربیه إلى الواقع (لو قلنا به) فکما لیس له الحجّیة، کذلک لیس له المرجّحیة(8).

أقول: ما ذکره فی آخر کلامه هو الحقّ لما ذکره بعینه.

وإن شئت قلت: إنّ جعل القیاس من المرجّحات یصدق علیه أنّه من قبیل إستعماله فی الدین.

ومن هنا یعلم (بالنسبة إلى المقام الثانی) أنّه لا تصل النوبة حینئذ إلى تعارض الأدلّة الدالّة على الأخذ بأقوى الدلیلین والأدلّه الناهیّة عن القیاس، فإنّ الأخیر آب عن التخصیص.

وأمّا القسم الثانی: فکونه من المرجّحات مبنى على جواز التعدّی من المرجّحات المنصوصة، وبما أنّ المختار کان هو عدم التعدّی فهذا القسم عندنا لیس من المرجّحات.

وأمّا القسم الثالث: وهو الأمارات الظنّیة المعتبرة، فلا إشکال فی لزوم الترجیح به إذا کان من المرجّحات المنصوصة کموافقة الکتاب.

وأمّا القسم الرابع: وهو ما یوجب القطع بالحکم الشرعی فکذلک لا ریب فی لزوم الترجیح به، لأنّه من قبیل تمییز الحجّة عن اللاّحجّة کما لا یخفى.

وأمّا القسم الخامس: فهو نظیر ما إذا دلّت روایة على حرمة المواقعة قبل الغسل وبعد انقطاع الدم، ودلّت روایة اُخرى على جوازها، فهل تقدّم الاُولى على الثانیة لکونها موافقة مع استصحاب الحرمة، أو لا؟ فیه ثلاثة أقوال:

1 ـ تقدیم الموافق للأصل، وهذا ما نسب إلى المشهور، ویشهد علیه أنّهم فی الفقه یعتبرون الموافقة مع الأصل من المرجّحات للأحکام.

2 ـ تقدیم المخالف للأصل، وهذا أیضاً منسوب إلى المشهور، ویشهد علیه ما کان یعنون سابقاً فی الاُصول من أنّه إذا دار الأمر بین الناقل والمقرّر کان الترجیح للناقل (المخالف للأصل) عند المشهور، بل قد یدّعی علیه الإجماع.

ویمکن دفع هذا التهافت (فی النسبة إلى المشهور) بأنّ البحث عن الناقل والمقرّر مختصّ بالاُصول العقلیّة، ویبحث عنه عقیب البحث عن الحظر والإباحة الذی هو من شقوق مبحث البراءة العقلیّة، بینما النسبة الاُولى إلى المشهور مرتبطة بالبراءة الشرعیّة.

3 ـ ما ذهب إلیه جمع من الأعاظم منهم الشیخ الأعظم والمحقّق الخراسانی والمحقّق النائینی(رحمه الله)، وهو عدم مرجّحیة الأصل مطلقاً لا المخالف والا الموافق.

واستدلّ للقول الأوّل بوجهین:

أحدهما: أنّ مطابق الأصل مظنون، وکلّ ظنّ مرجّح، واُجیب عنه:

أوّلا: بأنّ الأصل العملی لا یوجب ظنّاً بالحکم، حیث إنّه وظیفة عملیة للشاکّ فحسب.

وثانیاً: سلّمنا، ولکنّه مبنیّ على التعدّی من المرجّحات المنصوصة، والمختار عدمه کما مرّ، فکلّ من الصغرى والکبرى لهذا الوجه ممنوعة.

ثانیهما: أنّ الأخذ بموافق الأصل یوجب تخصیص دلیل واحد، وهو أدلّة حجّیة خبر الواحد بالنسبة إلى الدلیل المخالف، ولکن الأخذ بمخالف الأصل یوجب تخصیص دلیلین: وهما أدلّة حجّیة خبر الواحد وأدلّة حجّیة الأصل، ولا إشکال فی أولویة الأوّل.

والجواب عنه واضح، وهو أنّ الاُصول لیست فی رتبة الأمارات حتّى یوجب الأخذ بالخبر المخالف (وهو أمارة من الأمارات) تخصیص أدلّة حجّیة الأصل، أعنی أنّه مع الأخذ بالخبر المخالف لا تصل النوبة إلى الاُصول حتّى یلزم تخصیص أدلّتها، بل إنّها خارجة حینئذ تخصّصاً أو من باب الورود أو الحکومة.

واستدلّ القائلون بترجیح المخالف (القول الثانی) بأنّ المحتاج إلى البیان من جانب الشارع إنّما هو فی الغالب ما یکون مخالفاً للأصل، وهو الوجوب أو الحرمة، إذ إنّ المباح الموافق للبراءة أو أصالة الاباحة لا یحتاج إلى بیان غالباً، وهذا ما یوجب حصول الظنّ بأنّ ما صدر من جانب الشارع إنّما هو المخالف للأصل لا الموافق.

والجواب عنه: أنّه أیضاً مبنى على التعدّی من المرجّحات المنصوصة، وإلاّ لا حجّیة لمثل هذا الظنّ فی مقام الترجیح.

فظهر أنّ الصحیح هو القول الثالث بعد عدم وجود الدلیل على ترجیح الموافق أو المخالف.

بقی هنا اُمور:


1. الاستبصار: ج1، ص4، طبعة دار الکتب الإسلامیّة.
2. راجع عدّة الاُصول: ج1، ص60، طبعة مؤسسة آل البیت.
3. المصدر السابق: ص318.
4. راجع فوائد الاُصول: ج4، ص780.
5. وسائل الشیعة: الباب 9، من أبواب صفات القاضی، ح 29.
6. سورة آل عمران: الآیة28.
7. سورة الأنعام: الآیة1.
8. نهایة الدرایة: ج5 ـ 6، ص358 ـ 359، طبعة مؤسسة آل البیت.

 

الأمر الثانی: میزان التعدى من المرجّحات المنصوصة وعدمهالأمر الأوّل: فی أنّ الشهرة على أقسام: الروائیّة والفتوائیّة والعملیّة
12
13
14
15
16
17
18
19
20
Lotus
Mitra
Nazanin
Titr
Tahoma