الکل یتنعم بهذه المائدة عدواً کان أم صدیقاً

SiteTitle

صفحه کاربران ویژه - خروج
ورود کاربران ورود کاربران

LoginToSite

SecurityWord:

Username:

Password:

LoginComment LoginComment2 LoginComment3 .
SortBy
 
نفحات القرآن (الجزء الثانی)
شرح المفردات1ـ من عجائب عالم الأرزاق

لقد قلنا مراراً أنَّ مشرکی العرب لم یعتبروا الأصنامَ کخالق لهم أبداً، إلاّ أنّهم کانوا یعتقدون أنَّ الاوثان لها یدٌ فی تدبیر هذا العالم وحل مشکلات الناس فیبذلون العطاء لها، لهذا یعتبرونها شفیعةً لدى الله، أو بسبب إناطة مسؤولیة تدبیر العالم فی هذه الجوانب لها. لذلک فقد تمّ التأکید فی الآیات القرآنیة المذکورة على هذه المسألة بتعابیر مختلفة من أجل رد هذه العقائد الخرافیة، والتأکید بأنَّ الخالقَ والرازقَ واحدٌ، وجمیع أنواع الأرزاق تأتی من ناحیته.

من البدیهی إذا ما دُعیَ الإنسان إلى مائدة وکان فیها من الأطعمةِ ما لذَّ وطابَ، أن یتقدمَ بالشکر قبل کل شیء إلى صاحب هذه النِعَم، لذلک فهو یذهب وراء صاحب تلک المائدة لمعرفته، فهلْ هناک مائدةٌ أوسعُ من مائدة الخالق؟ وهلاّ یجب معرفة صاحب هذه المائدة التی یتنَعمُ بها العدو والصدیق؟ وتقدیم الشکر له لعطایاه التی غَمَرْتنا ظاهراً وباطناً من أعلى رؤوسنا وحتى أخمص أقدامنا؟

بناءً على ذلک فانَّ أهمَّ الدوافع «لمعرفة الله» وکذلک أحد الطرق لمعرفته هی هذه الأرزاق.

لذلک خاطبَ القرآن فی أول آیة من البحث کافةَ النّاس قائلا: (یَا أیُّها النَّاسُ اذکُروا نِعْمَتَ اللهِ عَلَیْکُمْ).

(هَلْ مِنْ خَالِق غَیْرُ اللهِ یَرْزُقُکُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ).

فهو یُرسلُ لکم من السماء نور الشمس الذی یهبُ الحیاة، وقطرات المطر التی تُحیی الأرض، والنسیم الذی یُنمی الأرواح، ومن الأرض یُنبتُ لکم أنواع النباتات والفواکه والمواد الغذائیة، وفی باطنها أنواع المعادن والثروات.

مع هذا یجب أنْ تعرفوا أنْ لا معبودَ سواه، وهو وحده الجدیر بالعبادة، فکیف تنحرفون عن الصراط المستقیم وتجعلون هذا الخالق العظیم واهب الرزق وراء ظهورکم، وتسجدون للأصنام: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤفَکُونَ)(1).

ویستند فی الآیة الثانیة على أربعةِ أمور لإثبات توحید الربوبیة: «وحدانیة الخالق»، وکذلک التوحید فی العبادة، وهی: خلق الإنسان، ورزقُهُ، ومَوتُهُ، وإعادة احیائه، وقد تمَّ تعریفها من قبل الله تعالى، لأنَّها جمیعاً ذات نظام دقیق حیث تُبرهنُ أنّها تصدرُ عن مبدأ العلم والقدرة، فیقول: (اللهُ الَّذِى خَلَقَکُمْ ثُمَّ رَزَقَکُمْ ثُمَّ یُمِیْتَکُمْ ثُمَّ یُحْیِیْکُمْ).

(هَلْ مِنْ شُرکَائِکُمْ مَّنْ یَفْعَلُ مِنْ ذَلِکُمْ مِّنْ شَىء) بناءً على ذلک یجب أنْ تُسلِّموا لنزاهتهِ وعلوِّهِ عمّا یُشرکون به: (سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ عَمَّا یُشرِکُونَ).

فحیثما نعلم أنَّ خلقَنا وموتنا وحیاتنا بیده، فلا معنى بأنْ نلهثَ وراء غیره، ونخضع ونُسَلِّمَ لسواه.

والجدیر بالذکر أنَّ الخلقَ یشملُ الرزقَ والموت والحیاة، لأنَّ کافة أنواع الرزق تعود إلى خلقِ الله تعالى، وکذلک فإنّ الحیاة جزءٌ من الخلق وتعقبها الأرزاقُ والموت، وعلیهِ فانَّ الاستناد إلى هذهِ الجوانب الثلاثة لیس لکونها شیئاً منفصلا عن الخلق، بل لأنّها فی الحقیقة توضحُ مصادیقَ مهمّةً عن ذلک الموضوع العام.

وهذه النکتة جدیرةٌ بالتأمْلِ أیضاً، إذ بالرغم من أنَّ الإحیاء بعد الموت لم یَکن مقبولا لدى مشرکی العرب، إلاّ أنَّ هذه الآیة تُعتبر إشارة لطیفةً لهذا الاستدلال، وهو أنَّ الخلقَ الأول ونعمة الحیاة فی بدایة الأمر دلیلٌ واضحٌ على إمکانیة تکراره یوم القیامةِ والبعث، بل لو تأمّلنا جیداً فانَّ مسألة الموت والحیاة مستمرةٌ فی هذا العالم، فوجود الإنسان یعتبر ساحةً للموت والحیاة فی کلٍّ عام وشهر بل فی کلِّ یوم وساعة، تموت الملایین من الخلایا، وتحلُ مکانها ملایینُ اُخرى، فتتجسدُ مسألةُ المعاد باستمرار فی هذه الدنیا، إذن ما العَجَبُ فی أنْ یَرجعَ الامواتُ إلى الحیاة من جدید فی الآخرة؟

وفی الآیة الثالثة حیث جاءت فی ترتیب آیات «التوحید» إذ تُحصی آیاتِهِ المختلفة فی السماء والأرض، تمّ الاستناد أیضاً إلى ثلاث مسائل هی: بدایة الخلق، ورجوعه، والرزق والاقوات التی تصل الإنسان من السماء والأرض فیقول: أیُّهما أفضل... مَنْ تعبدون مِنْ دون الله أم مَنْ بدأ الخلقَ ثم یُعیدُه؟ (أَمَّنْ یبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ یُعیدُهُ)(2) (وَمَنْ یَرْزُقُکُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).

ویضیف فی النهایة (أاِلَهٌ مَعَ الله).

«قُلْ: لَقَد جِئتُکم بدلیل عَلى ربوبیّتهِ فَهَاتُوا دَلیلَکُم إِنْ کُنتُم صَادِقینَ».

(قُلْ هَاتُوا بُرهَانَکُمْ إِنْ کُنتُمْ صَادِقِینَ).

وبتعبیر آخر: «إنَّ هذه البرکات تصدرُ عن الذات الإلهیّة المقدّسة، أمّا هذه الأصنام فهی لا تملکُ شیئاً کی تستحق العبادة».

والتعبیر بـ «خَیْر» أی (أفضل) الذی حُذِفَ من هذه الآیة والذی یتجلّى بقرینةِ الآیات السابقة لیس المقصود منه أنّ للأصنام خیراً وبرکات قلیلة قیاساً إلى خیرِ الله وبرکاتهِ بل إنَّ هذا التعبیر یُستعملُ أیضاً فی الحالات التی لا یکون هنالک خیرٌ فی الفعل أبداً، فمثلا یقال لک امتنع عن تناول طعام معین کی تحافظ على صحتک أو لَیسَ الصحةُ أفضل من المرض؟ مِنَ المسلَّم به أنْ لا فضل فی المرض بحیث تکون الصحةُ أفضلَ منه، ونقرأ فی القرآن الکریم أیضاً: (وَلَعَبْدٌ مُّؤمِنٌ خَیْرٌ مِّنْ مُّشْرِک).(البقرة / 221)

ویقول فی مکان آخر: (قُلْ أَذلِکَ خَیْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ).(الفرقان / 15)

وخلاصة الأمر أنَّ لفظ «خیر» بالرغم من أنّه من «افعل التفضیل» ویجب أنْ یستعملَ فی مورد شیئین أحدهما حَسَنٌ والآخرُ أحسن منه إلاّ أنّ الهدف فی أغلب الحالات هو اغراقُ المخاطبِ فی التفکر وجعلَهُ یشعرُ بأنَّ ما یختاره لیسَ منشأً لأی خیر ومنفعة.

إنَّ الاستناد إلى قضیة المعاد بالرغم من عدم إیمان المشرکین بها إنّما هو لأجل کون الخلق أول دلیل على المعاد.

وطُرحَ هذا المعنى فی الآیة الرابعة بنحو آخر، إذ یقول: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِى یَرْزُقُکُمْ إِنْ أَمْسَکَ رِزْقَهُ)(3).

تلمیحاً إلى أنّه لو امتنعت السماء عن المطر بأمرِ الله، ولم ینمُ نباتٌ ما، وعمَّ الجدب والقحطُ کلَّ مکان، فهل تستطیع هذه الأصنام أو أیُّ موجود آخر أن یرزقکُم ویُطعِمکُم؟ ولو انقطعت عنکم الأرزاق المعنویة والروحیة بأمر من الله، فهل مِنْ هاد یرشدکم؟ ینبغی القول أنَّ الجواب على کل هذه التساؤلات سلبیٌ، فکیف اذن یتمادى الوثنیون فی عملهم القبیح هذا؟ فهلْ منْ سبب هنا سوى العناد والتعصب؟

لهذا یقول فی خاتمة الآیة: (بَلْ لَّجُّو فِى عُتوٍّ وَنُفُوْر)(4).

وفی الآیة الخامسة استند إلى أمر آخر یتعلق بمسألةِ الأرزاق، إذ یؤکد أنَّ بسط وقبضَ الرزق هو بمشیئة الله، فیقول: (أَوَلَمْ یَرَوْا أَنَّ الله یَبْسُطُ الِّرزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَیَقْدِرُ)؟!

صحیحٌ أنَّ سعیَ ومثابرة الناس والمؤهلات والاستحقاقات تؤثرُ فی تحصیل الرزق.

وصحیحٌ أنَّ العالَم، عالم الأسباب، وغالباً ما یستفید المثابرون أکثر من الکسالى فی تحصیل الأرزاق.

إلاّ أننا نرى استثناءات کثیرة قبالة هذه القاعدة، فقد نرى أناساً مُقعدین قد فُتحت أمامهم أبوابُ الرزق، وبالعکس فقد نرى مثابرین ومستحقین أینما یولّوا وجوههم فانَّ الأبواب مغلقة أمامهم، کما یقول الشاعر العربی المعروف:

کم عاقل عاقل أَعْیَتْ مذاهبُهُ *** وجاهل جاهل تلقاهُ مرزوقاً

وهذا من أجل أن لا یضیع الإنسان فی عالم الأسباب ولیعلمَ أنّ وراء هذا العالم، یداً قادرةً تدیرُهُ وتعلو قدرتها فوق جمیع القدرات، وکی لا یصیبَ الغرورُ المتنعمین والمستفیدین بسبب إمکانیاتهم، فیظلموا ویطغوا، وحتى لا ییأس ذوو الإمکانیات المحدودة، لأَنَّه من الممکن أن یتغیَر الوضعُ فی کل لحظة حسبَ الإرادة والمشیئةِ الإلهیّة.

وبتعبیر آخر: من أجل توفر الرزق والقوت لکل إنسان تتظافر عشرات الأسباب أحدها سعی الإنسان ومثابرته، حتى أنَّ الله قد منح القدرة على السعی والمثابرة ودوافعهما أیضاً.

وهنا یتمکن الإنسان من فهم نفحات من الذات الإلهیّة المقدّسة من خلال مسألة سعة الرزق وضیقه، فقد قال فی نهایة الآیة: (إِنَّ فِى ذلِکَ لاَیات لِقَوْم یُؤْمِنُونَ)اولئک الذین لدیهم استعدادٌ لقبول الحق بسبب إیمانهم، ویتعرّفون أکثر على الذات المقدّسة من خلال مشاهدة هذه المیادین یومیاً.

وفی الحقیقة أنَّ الأیة أعلاه قد تکرر مضمونُها ومحتواها عشر مرات فی القرآن الکریم تشبه ما نُقل عن أمیرالمؤمنین(علیه السلام) حیث یقول: «عَرَفْتُ الله سبحانه بفسخ العزائم وحلِّ العقود ونقضِ الهِمَمِ»(5).

وتشابه ما نُقلَ عن بعض المفسِّرین أنَّ أحدَ العلماء سُئل عن الدلیل على وحدانیة الله؟ فقال: «ثلاثة ادلّة: ذلُّ اللّبیب وفقرُ الأدیب وسُقمُ الطبیب»(6).

والتعبیر بـ (اَوَلَمْ یَرَو) إشارة إلى أنْ لو تمعنَ الإنسان قلیلا فی حیاة الناس لرأى هذه الاختلافات جیداً.

ولابدّ من ذکر هذه النکتة وهی أنَّ إرتباط سعة وضیق الرزق بالإرادة الإلهیّة یعنی الإرادة الممتزجة مع الحکمة وإلاّ لیس لله مشیئةٌ بدونِ حکمه سواء کان هنا أم فی باقی الموارد.

علماً أنَّ ضیق الرزق فی هذه الآیة (والآیات العشر) المذکورة لا یعنی مُطلقَ الحرمان من الرزق، حتى یتعارض مع الآیات الآتیة التی تقول: (وَمَا مِنْ دَابَّة فِى الأَرْضِ إِلاَّ عَلى اللهِ رِزْقُهَ).(هود / 6)

بل المقصود قلةُ الرزق وفی نفس الوقت وجود الحد الادنى والکافی منه.

وفی الآیة السادسة بعد أن یؤکّد على هذه النکتة وهی: أنَّ الله لا یحتاجُ عبادَهُ وحینما یدعوهم إلى عبادته فلیس بسببِ حاجته فیقول تعالى: (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَاقُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِیْنُ).(الذاریات / 56 ـ 57)

و«الرزّاق»: صیغةُ مبالغة تعنی کثیر العطاء، وهذا یصدقُ بخصوص ذاته المقدّسة فقط، حیث جلست الکائنات الحیة فی کلِّ زاویة من هذا العالم العریض: على الجبال، فی بطون الصخور، فی أعماق الودیان، فی قاع البحار، وباختصار فی کلِّ زاویة وجانب من هذا العالم العظیم على مائدة احسانِه، متنعمة بامداداته وفیضه.

وبما أنَّ مثل هذا العطاء والبذل الواسع وغیر المحدود یحتاج إلى قدرة وقوة تامة، فقد ذَکر بعد هذا وصفین آخرین: (ذُو القُوةِ) و(الْمَتِیْنُ) وهی من مادة «متن» وتعنی فی الأصل العَضلتین اللتین تحیطان بالعمود الفقری، وتقومان بشَدِّ عضلات ظهر الإنسان من أجل انجاز الأعمال الشاقة، وهنا کنایةٌ عن القوة والاقتدار الخارق.

وفی الواقع أنَّ هذه الجملة وصفٌ للذات الإلهیّة المقدّسة فی بذل الأرزاق، لأنَّ هذه الصفة تخصُهُ فقط، وأمّا الآخرون فکل ما یملکون فهو منه جلَّ وعلا، وإذا استعمل وصف «الرزاق» لبعض الناس أو للأسباب الطبیعیة فهو یعنی فی الحقیقة الواسطة فی انتقال فیوضاتهِ ولیس الفّیاض وخالق النِّعم.

واستند فی الآیة السابعة إلى موضوع آخر وهو شمول رزق الله لکلِّ الدّواب، هذا العمل الذی لا یمکن حصوله بدونِ احاطة وعلم کامل بجمیع موجودات العالم، فلابدّ أن یعرفَ المُضیِّفُ عددَ ضیوفهِ سلفاً، وکذلک مقدار حاجاتهم وأذواقهم، کی یتمکنَ من تقدیم الطعام الملائم لهم، لهذا یقول فی هذه الآیة: (وَمَا مِنْ دَابَّة فِى الأَرْضِ اِلاَّ عَلىَ اللهِ رِزْقُهَ).

ویُشیر هذا التعبیر بجلاء إلى أنَّهُ قد تکفَّلَ برزق عباده، کی یَحدَّ من حرص وطمع بعض الناس واضطراب وقلق بعضهم الآخر من جانب، ومن جانب آخر یبرهنُ على أنّه لو شوهدت شحةٌ فی الأرزاق، فهی مفتعلة ومن المؤکد أنّها حصلت نتیجة لظلم جماعة من الناس وهضم الحقوق، والاحتکار وافتعال الأزمات الکاذبة أو فی النهایة بسبب عدم السعی للاستفادة من هذه المائدة الإلهیّة المبسوطة، تلک هی الأسباب التی یؤدّی کلٌّ منها أو مجتمعة، إلى حرمانِ بعض الناس من رزقهم وقوتهم، وإلاّ فانَّ الله قد ضمنَ رزقَ کلّ الدَّواب.

وبما أنَّ ایصالَ الرزق لهم یُعدّ متعذراً بدونِ علم کامل بأماکنهم وخصائصهم فهو یقول فی سیاق الآیة: (وَیَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا ومُسْتَوْدَعَهَ).

وکلُّ ذلک مسجّلٌ فی کتاب جلّیً (هو اللوح المحفوظ، لوح علم الخالق) (کلٌّ فِى کِتاب مُبِیْن).

و«دابَّة»: من مادة «دبیب» «وتعنی المشی البطیء» ویُطلقُ هذا اللفظ (دابّة) على البهائم والحیوانات والحشرات، بالرغم من استعمالهِ بخصوص الخیل فی بعض الموارد، إلاّ أنّ المسلَّم به هنا أنّه ذو معنىً واسع وشامل حیث یشمل جمیع البهائم(7).

ولفظ «مُستَقَّر» یعنی المقر، والمکان الثابت، وهو مأخوذ فی الأصل من مادة «قُرّ» على وزن (حُرّ) وتعنی البرد القارص الذی یجعلُ الإنسان جلیسَ الدار.

و«مُستَوْدَع»: یعنی المکان غیر الثابت، وهی من مادة «ودیعة» وتعنی فی الأصل ترک واطلاق الشیء، ولهذا یقال للاُمور غیر المستقرة «مستودع».

وهذه الألفاظ تلمّح إلى أنّه لا تظنّوا أنَّ الله یوفرُ الرزقَ للموجودات فی مستقرها فقط، بل أینما تکون وفی أیّ نقطة من الأرض والسماء، فهو یعلمُ ویرى مکانها ویعطیها رزقها هناک!

روى بعض المفسّرین فی ذیل هذه الآیة حدیثاً مفاده: «أنّ موسى(علیه السلام) عند نزول الوحی علیه وکان برفقة طفله وزوجته فی لیلة ظلماء فی واد بطور سیناء، حیث أمره الله سبحانه وتعالى أن یذهب إلى فرعون، فانصرف ذهنه إلى زوجته وطفله، کیف سیکون مصیرهم بعده.

فأمره الله تعالى أن یضرب بعصاه صخرة فانفلقت وخرجت منها صخرة ثانیة; ثم ضربها بعصاه مرّة اُخرى فانفلقت وخرجت صخرة ثالثة، ثم ضربها بعصاه فانفلقت فخرجت منها دودة کأصغر ما تکون علیه النملة وفی فمها شیء یجری مجرى الغذاء لها، وعند ذاک رفع الحجاب عن سمع موسى(علیه السلام) فسمع الدودة تقول: سبحان من یرانی، ویسمع کلامی، ویعرف مکانی، ویذکرنی ولا ینسانی»(8).

کما ورد فی حدیث أنَّ الإمام الحسین(علیه السلام) کان له سیفٌ کتبَ علیه: «الرزقُ مقسومٌ والحریصُ محرومٌ، والبخیل مذمومٌ، والحاسدُ مغمومٌ»(9).

ونختتم هذا الحدیث بشعر لأحد شعراء العرب، إذ یقول:

وکیف أخافُ الفقرَ والله رازقی *** ورازقُ هذا الخلق فی العسرِ والیُسرِ

تکفَّلَ بالأرزاق للخلق کُلِّهِم *** وللضَّبِ فی البیداء والحوتِ فی البحرِ

وفی الآیة الثامنة، یبدو وکأنّه یحاکمُ المشرکین، ویبینُ بطلان عقائدهم عن طریق مسألة ایصال الرزق إلى الخلائق، ویوضح وحدانیة الرَّب، فیقول: (قُلْ مَنْ یُرزُقُکُم مِنَ السَّموَاتِ وَالأَرضِ) من ضوء الشمس، من قطرات المطر الذی یهب الحیاة، ومن هذا الهواء الذی یمد الکائنات بالحیاة، ومن أنواع المواد الغذائیة الموجودة فی أعماق الأرض وتظهر على هیئة ثمرات وغلاة وخضروات.

ثم لا یَدَعُ النبى(صلى الله علیه وآله) ینتظر جوابهم فیردّ الجواب قائلا: (قُلِ الله وَإِنَّا أَو إِیَّاکُم لَعَلى هُدىً أَو فِى ضَلال مُبِین).

ولأنَه لا تجتمع عقیدتان متناقضتان، وبما أنّکم لا تملکون دلیلا یثبتُ أنّ الأصنام هی منشأ البرکات، یتضح اذن أننا نتبع الحقَّ وأنتم فی ضلال مبین.

ولو لاحظنا هنا أنَّ النبی(صلى الله علیه وآله) لم ینتظر جوابهم، لأنَّهم فی الواقع لا یملکون جواباً لهذا التساؤل، سوى السکوت الممزوج بالخجل، وعلیه یجب على المتکلِّم الفصیح أن یُمسکَ بزمامِ الحدیث فی مثل هذه الحالات ویقدِّمَ الجوابَ بنفسِه.

وأحدُ فنون الفصاحةِ هو أنْ یُلقى الکلام الغامض على الخصوم من خلال الحوار ویترک الفصل لهمْ، لهذا یقول هنا: (وَإِنَّا أَو إِیَّاکُم لَعَلى هُدىً اَو فِى ضَلال مُّبِین) ومن المسلَّم به أنَّ الضّالَ والمهتدی یتضحُ هنا، ومن الأفضل أن تبقى العبارةُ غامضةً فی الظاهر کی لا یتمادى هؤلاء فی عنادهم، وأن یُکلِّفوا أنفسهم عناء الاستنتاج.

والعجیب أنَّ بعضَ المفسِّرین یعتقدون أنَّ هذه العبارة من قَبیل «التقیّة» فی الوقت الذی لا مجال للتقیّةِ هنا، والأمرُ مشکوفٌ بجلاء - ولکن بشیء من اللطافة-، وحیث یقول فی البدایة: «إنّا» ثم یقول: «أنتم» ویتابع قائلا على «هدىً» أو على «ضلال»، وهذا التسلسل یوضحُ الأمرَ أکثر.

وفی الآیة التاسعة، بعد أن أشارَ إلى نزول المطر المبارک من السماء، استند إلى ثلاثة أصناف من الارزاقِ التی یستفید الجمیع منها، فیقول: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً مُّبارَکاً فَأنْبَتْنَا بِهِ جَنَّات وَحَبَّ الحَصِیْدِ).

(وَالنَّخلَ بَاسِقَات لَهَا طَلْعٌ نَضِیْدٌ)(10) (رِزْقاً لِلْعِبادِ).

وفی الواقع فقد استند فی هذه الأیة إلى الثمار والمحاصیل الغذائیة لأنّها تمثلُ أهمَ وأَصلح جانب من المواد الغذائیة للناس، واستند إلى التمر بالخصوص من بین الثمار، بسبب أهمیّته الغذائیة الفائقة، حیث بحثناه بالتفصیل فی محلِّه(11).

والجدیر بالذکر: إنَّ بعض المفسِّرین یعتقد أنَّ استناد القرآن إلى هذه الأنواع الثلاثة من الأرزاق جاء بسبب خصائص کلٍّ منها على حدة، لأنَّ بعض النباتات یُثمرُ سنویاً، دون الحاجة إلى بذر البذور، کانواع أشجار الفاکهة، وبعضها یحتاج إلى بذر البذور سنویاً کالحنطة والشعیر والرز والذرة وبعضها وسطاً بینهما کالنخیل الذی یکون أصلهُ ثابتاً إلاّ أنّه یحتاج فی کلِّ عام إلى «التلقیح»، بالنحو الذی یرفعون طلع الذکر وینثرونه على ثمار النخلةِ کی تحمل بشکل کامل، ومن الممکن أن تلقح بطریقة اُخرى (عن طریق الریاح والحشرات) إلاّ أنّها لن تکون غزیرة الثمار.

وهذه النکتة جدیرة بالاهتمام أیضاً حیث إنّ فی تعبیر (رزقاً للعباد)، (12) إشارة لطیفة إلى هذه الحقیقة وهی وجوب استثمار النعم الإلهیّة لسلوک طریق عبودیةِ اللهِ، وهذه الموجودات مذعنةٌ ومطیعةٌ للإنسان کی ینال الرزق ولا یأکلُه غافلا عن الله، کما قال الحکماء:

أنت تعیش لتأکل وأنا آکل لأعیش وأذکر الله.

وفی الآیة العاشرة وآخر الآیات فی بحثنا استند إلى الأنواع المتباینة من الاطعمة التی وضعها الباریء، تعالى فی متناول الإنسان والدَّواب، ودعا الإنسان إلى التفحصِ فیها، کی یُعدَّهُ لمعرفة المُنعم ومعرفة الله من خلال تحریضه على الشعور بالشکر.

فیقول: (فَلْیَنْظُرِ الإِنْسانُ اِلىَ طَعَامِهِ).

لیرى کیف تظافرت مختلف العوامل من الشمس والأرض والهواء والمطرکی تضع فی خدمته هذه النَّعَم. فیجب أنْ ینظُر ویرى کیف: (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأنبَتنَا فِیهَا حَبّاً * وعِنَباً وقَضْب(13) * وزَیْتُوْناً وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاکِهَةً وَأَبّ)(14).

مع أنَّ «فاکهة» تشمل جمیع أنواع الثمار، و«حدائق» تتضمن جمیع البساتین، إلاّ أنَّ الاستناد إلى «العنب» و«الزیتون» و«التمر» یأتی بسبب مزایاها المهمّة للغایة التی ثبتت الآن فی علم النبات بالنسبة لکلِّ منها.

وبالرغم من أنَّ «طعام» تعنی عادةً الغذاء المادی، لا سیما بخصوص الآیة التی تعقبها، فقد ذُکرت موارد عدیدة للاطعمة المادیّة، الفواکه والحبوب، إلاّ أنّه وکما ورد فی بعض الروایات، یمکن أن یکون للطعام معنى واسع وشامل حیث یشمل الغذاء المعنوی أیضاً، ویجب أن ینظرَ الإنسان جیداً ممَّ یکتسبُ العلمَ الذی هو غذاؤه الروحی، فلا ینبغی أن یکون مشتملا على علوم سامة وهدامة.

والکلام الأخیر حول هذه الآیة الشریفة، هو من الممکن أن تکون عبارة «فَلْیَنْظُرِ» هی النظر من أجل إدراک أسرار المبدأ والمعاد، وکذلک النظر لتمییز الصنف الطیِّب والطاهر، من الخبیث والملوث، والمشروع من اللامشروع والمفید من الضّار.

یستفادُ جیداً من مجموع ما قیلَ فی شرح هذه الآیات أنَّ أنواع الرزق الإلهی آیاتٌ وآثارٌ على عظمتهِ، وکیفیة ظهورها، والنظام المدهش الذی استُعملِ فی بنائها، والصفات الممیزة لکل منها، والمواد المعاشیة الموجودة فی کلٍّ منها، وکذلک کیفیة ایصالِ هذه الأرزاق إلى المحتاجین ومطابقتها لحاجتهم، فکلٌّ منها آیة ودلیل عن حکمة وعظمة الذات الإلهیّة المقدّسة.


1. «تؤفکون» من مادة «إفْکْ»، وتعنی تغییر الشیء عن وضعهِ الحقیقی، ولهذا یقال للکذب والاتهام والانحراف عن الحق نحو الباطل «إفْکْ»، وکذلک یُطلقُ على الریاح التی تنحرف عن مسیرها المنظم (مؤفکة) (مفردات الراغب).
2. هنالک جملةٌ محذوفةٌ حیث تتضح بقرینة الآیات الآنقة (الآیة 59 من نفس السورة) وتَقَدَّر کما یلی «أمَّنْ یبدءُ الخلق ثم یُعیدهُ... خیرٌ أمْ ما یشرکون».
3. بالرغم من احتمال بعضهم بتقدیر محذوف من الآیة إلاَّ أنَّ ظاهر الأمر یشیر إلى أن لا محذوف هناک فیکون المعنى کما یلی «إنْ امسَکَ الله رزقهُ مَنْ هذا الذی یرزقکم» فتکون «أم» هنا بمعنى «بل» (فتأمل جیداً).
4. «لجوا» من مادة اللجاجة و«العَتو» تعنی الطغیان و«النفور» تعنی الابتعاد والهروب من الشیء.
5. نهج البلاغة، الکلمات القصار، الکلمة 250.
6. تفسیر روح البیان، ج 7، ص 39.
7. إنَّ «التاء» فی «دابّة» لا تدل على التأنیث، بل تشمل جمیع الحیوانات مذکرها ومؤنثها، وبتعبیر آخر أنَّ تأنیثها لفظیٌ ولیس حقیقیاً (مفردات الراغب وتفسیر الکبیر، ج 17، ص 185).
8. تفسیر الکبیر; ج 17، ص 186; تفسیر روح البیان، ج 4، ص 97; و تفسیر روح المعانی، ج 12، ص 2.
9. تفسیر روح البیان، ج 4، ص 97.
10. «حصید» تعنی المحصود (أو الجاهز للحصاد)، و«باسقات» جمع «باسقة» وتعنی الطویلة و«طلع» تعنی ثمرة النخیل فی بدایة تکوینها، و«نضید» تعنی المتراکم والکثیف الذی یبعث على التعجب لا سیما فی ثمار النخیل أی التمر.
11. یُراجع التفسیر الأمثل، ذیل الآیة 25 من سورة مریم.
12. إنَّ نصبَ «رزقاً» جاء لکونه «مفعولا لاجله»، ویُستبعدُ احتمال کونه «مفعولا مطلقاً» أو «حالا».
13. «قضب» على وزن (جذب) وتعنی القطع والقطف، وقد فسَّرها المفسِّرون بأنّها الخُضرُ التی تُقطعُ عدّة مرات.
14. «حدائق» جمع «حدیقة» وتعنی البساتین المحصورة بین الجداران، و«غُلب» جمع «اغلب» من مادة «غُلبة» وتعنی الضخم الجُثّه، و«أب» تعنی النباتات الطبیعیة والمراتع الطبیعیة، أو الثمار التی تُجفَّف وتحفظ. (والآیة 31 من سورة عبس).

 

شرح المفردات1ـ من عجائب عالم الأرزاق
12
13
14
15
16
17
18
19
20
Lotus
Mitra
Nazanin
Titr
Tahoma